كثيرًا ما نتحدث عن الهدر الغذائي كما لو أنّه يبدأ في المطبخ: طعامٌ نُسي في الثلاجة، أو وجبةٌ طُهيت بكمية زائدة، أو بقايا لم نعرف كيف نستخدمها. لكنّ الحقيقة أن كثيرًا من الهدر يُحسَم قبل ذلك بساعات، في اللحظة التي تضعين فيها المنتج في عربة التسوق.
وفق تقرير مؤشر هدر الغذاء الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، يُهدر ما يقارب 1.05 مليار طنّ من الطعام سنويًا، وتتحمّل الأسر المسؤولية عن 60% من هذا الرقم أي ما يعادل 631 مليون طنّ كل عام، وما يزيد على مليار وجبة يوميًا تُرمى دون أن تُؤكل. وعلى مستوى الفرد، يُهدر كلٌّ منّا ما يقارب 79 كيلوغرامًا من الطعام سنويًا.
هذا المقال لا يتحدث عن التخطيط الأسبوعي (تناولناه من قبل)، ولا عن قائمة التسوق. بل يتوقف عند لحظة محددة وحاسمة: السلوك داخل المتجر أو مركز التسوق. لأن ما يحدث هناك يُقرّر مسبقًا ما سيُهدر لاحقًا في بيتك.
لنأخذك معنا في جولة قصيره عن أهم الأخطاء الشائعة خلال التسوق في المتجر
أولًا: العروض الترويجية والتوفير الوهمي
من أكثر الأخطاء الشائعة في التسوق أن نحكم على العرض من سعره فقط. نرى عرضًا على الخضار، أو عبوة عائلية، أو خصمًا على منتج قريب من انتهاء الصلاحية، فنشعر أننا وفرنا.
لكن التوفير الحقيقي لا يُحسب عند الدفع، بل يُحسب بعد الاستخدام.
إذا اشترينا كمية كبيرة لأن السعر مغرٍ، ثم تلف نصفها في الثلاجة، فالنتيجة ليست توفيرًا بل هدراً. كل دينار يُصرف على طعام لا يؤكل هو هدر للمال، وللماء، والطاقة، والجهد الذي استُخدم لإنتاج الطعام ونقله وتخزينه. لذلك القاعدة الأهم في التسوق الواعي هي:
ليس الأرخص، بل الذي سيُستخدم بالكامل.
وممكن أن تكون معادلة الصفقة الجيدة:
الصفقة الجيدة = سعر أقل + استهلاك كامل قبل التلف
تشير جهات عالمية متخصصة، مثل وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA)، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، وبرنامج العمل للموارد والنفايات (WRAP) إلى أن الشراء الواعي من أهم خطوات تقليل الهدر الغذائي في المنازل، لأنه يساعد الأسر على شراء الكمية المناسبة، وتجنب الطعام الزائد، وتحسين استخدام الموارد.
ثانيًا: حجم العبوة الكبير ليس دائمًا الأذكى
كثير من المتاجر تجعل العبوات الكبيرة تبدو وكأنها الخيار الأفضل، يكون سعر الكيلوغرام في العبوة الكبيرة أقل من العبوة الصغيرة. وهذا صحيح رياضيًا، لكن في الغذاء لا تكفي مقارنة السعر فقط؛ يجب مقارنة القدرة على الاستهلاك أيضا.
فالعبوة الكبيرة من منتج اللبنة مثلًا، قد تتلف قبل أن تُستهلك بالكامل، فتكون كلفتها الفعلية أعلى من العبوة الصغيرة.
أشار تقرير WRAP لعام 2025 إلى أن من أسباب الهدر المنزلي صعوبة تقدير الكمية المناسبة للشراء، والوقوع في الشراء الزائد، وضعف مقاومة الإغراءات داخل المتجر. كما أشار تقرير WRAP الأحدث إلى أن كثيرًا من المستهلكين يشترون العبوات الأكبر بسبب شعورهم بأنها أفضل قيمة، رغم أن العبوات الأصغر أو المنتجات السائبة قد تكون أنسب لبعض الأسر.
نصيحة عملية: اختاري العبوة التي يتناسب حجمها مع ما تستهلكينه فعلًا. المنتجات الطازجة تستحق الشراء بكميات أصغر وأكثر تكرارًا.
ثالثاً: المنتجات الطازجة أكثر الأطعمة هشاشة وأكثرها هدرًا
الخضار والفاكهة تحتاج معاملة خاصة داخل المتجر. ومن أبرز الأخطاء:
اختيار المنتج الأجدد وترك الأقرب للنضج: كثيرون يختارون الفاكهة الأقل نضجًا لأنها ستصمد أكثر، ثم يشترون حزمة جديدة قبل أن تُستهلك الأولى.
الحل : قيّمي النضج بالنسبة لموعد الاستخدام. إذا كنتِ تستخدمين الفاكهة اليوم أو غدًا، اختاري الأكثر نضجًا. إذا كانت الأيام الثلاثة القادمة مزدحمة، اختاري الأكثر صلابة.
لذلك، عند شراء المنتجات الطازجة، لا تسألي فقط: هل أحب هذا الطعام؟ بل اسألي: متى سأستخدمه؟
رابعاً: المنتجات السائبة ليست خيارًا بسيطًا… بل أداة لتقليل الهدر
عند شراء الخضار والفواكه، قد تكون المنتجات السائبة خيارًا أفضل من الأكياس الموزونة الجاهزة، لأنها تسمح لك بشراء العدد الذي تحتاجينه فعلًا. إذا كنت تحتاجين حبتين من البطاطس، لا توجد حاجة لشراء كيس كامل. وإذا كان استخدامك للتفاح محدودًا، فشراء ثلاث حبات قد يكون أفضل من شراء عبوة كبيرة.
يشير تقرير برنامج العمل للموارد والنفايات (WRAP)إلى أن بيع التفاح والموز والبطاطس بشكل سائب بدل الأكياس الموزونة أو الكراتين يمكن أن يساهم في تقليل عشرات الآلاف من الأطنان من الهدر سنويًا، لأن الشراء السائب يساعد الأسر على اختيار الكمية الأقرب لحاجتها الفعلية.
هذه الفكرة مهمة جدًا في البيوت الصغيرة، أو الأسر التي لا تطبخ يوميًا، أو الأشخاص الذين يشترون خضارًا وفواكه بنية استخدامها قريبا ثم لا يجدون وقتًا لاستخدامها.
خامسًا: تواريخ الصلاحية، فهمها يقلّل الهدر فعلًا
من أكثر الأخطاء شيوعًا رمي الطعام بسبب سوء فهم تاريخ الصلاحية.
هناك فرق جوهري بين نوعين من التواريخ :
يستهلك قبل (Use By) : تاريخ أمان، يتعلق بسلامة الغذاء. ينبغي الالتزام به.
أفضل قبل (Best Before) : تاريخ جودة، لا أمان. الطعام بعده صالح للأكل لكنه في الغالب قد يكون أقل جوده.
عند الشراء: اختاري المنتجات بحسب موعد استخدامك لها. لا داعي دائمًا لأبعد تاريخ صلاحية، اختاري التاريخ المناسب لخطتك.
سادسًا: الشراء العاطفي حين يقرّر المزاج ما يدخل عربة التسوق
التسوق ليس قرارًا غذائيًا فقط، بل هو قرار سلوكي أيضًا. فعندما ندخل المتجر ونحن جائعون، متعبون، أو مستعجلون، تزداد احتمالية شراء أطعمة لا نحتاجها فعلًا، أو الانجراف وراء العروض والعبوات الكبيرة والاستراتيجيات التسويقية داخل المتجر.
ولهذا تنصح منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO بالتخطيط المسبق، وكتابة قائمة قبل التسوق، وتجنب التسوق أثناء الجوع؛ لأن هذه الخطوات البسيطة تساعدنا على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا، وشراء ما نحتاجه بالفعل بدلًا من الشراء بدافع اللحظة.
وقبل وضع أي منتج إضافي في عربة التسوق، اسأل نفسك سؤالين بسيطين:
متى سأستخدمه؟ وهل لدي الوقت والمساحة لاستهلاكه قبل أن يتلف؟
إذا لم تكن الإجابة واضحة، فالأفضل تركه.
القاعدة العملية هنا بسيطة:
ادخل المتجر بقرار، لا بمزاج.
فليس المطلوب أن تكون قائمة التسوق صارمة أو معقدة، بل أن تكون لديك حدود واضحة: عدد الوجبات، الكميات المناسبة، والأطعمة التي يمكن استخدامها فعلًا خلال الأيام القادمة. بهذه الطريقة، يصبح التسوق خطوة واعية تقلل الهدر قبل أن يبدأ.
من عربة التسوق يبدأ التغيير
التسوق الواعي لا يعتمد فقط على كتابة قائمة، بل على فهم سلوكنا داخل المتجر: كيف نتعامل مع العروض، كيف نختار الكميات، كيف نقيّم العبوات الكبيرة، وكيف نقرر إن كان المنتج سيُستخدم فعلًا أم لا.
وفي النهاية، أفضل عملية شراء هي التي تنتهي بطعام مأكول، لا بطعام مهدر.
في مستدام، نؤمن أن الاستدامة لا تبدأ من قرارات كبيرة بل من لحظات يومية صغيرة داخل ممرات المتجر. كل منتج تختارينه بوعي هو خطوة نحو مطبخ أقل هدرًا، وأسرة أكثر توازنًا.